العالم من حولي

محاكمة جريمة قتل بفطر سام تشد انتباه أستراليا

تُعد محاكمة إيرين باترسون، المتهمة بقتل ثلاثة من أقارب زوجها المنفصل عنه عن طريق تقديمهم فطر “ديث كاب” (القبعة المميتة) في طبق بيف ويلينغتون، من القضايا التي استحوذت على اهتمام أستراليا لما يقرب من ستة أسابيع. يجادل الادعاء بأنها سمّمت ضحاياها عمدًا، بينما تدافع هي بأن الأمر كان حادثًا مأساويًا ناتجًا عن سوء تخزين الفطر.

الأدلة الجنائية لفطر القبعة المميتة
يعتبر فطر القبعة المميتة (Amanita phalloides) من أخطر الفطريات السامة في العالم، ويتسبب في حوالي %٩٩ من حالات التسمم الفطرية المميتة عالميًا. في قضية باترسون، كان التحليل الجنائي حاسمًا في إثبات وجود هذا الفطر القاتل. أجرى الدكتور ديفيد لوفلوك من مؤسسة صحة النبات الأسترالية اختبار الحمض النووي الذي أكد أن عينات من جهاز تجفيف الطعام الخاص بباترسون تشبه فطر القبعة المميتة بنسبة %٩٩ ، في حين وجد أن بقايا طبق بيف ويلينغتون تحتوي فقط على حمض نووي لفطر الزر الأبيض (الفطر العادي).

تتسبب سموم الفطر القاتل، وخاصة الأماتوكسيينات، في تلف الكبد والكلى وقد تؤدي إلى فشل متعدد للأعضاء. يمكن للخبراء اكتشاف هذه السموم في عينات الأنسجة البيولوجية للضحايا، لكن القضية أبرزت أهمية التشخيص المبكر، حيث لم يحصل الضحايا على مضادات السموم في الوقت المناسب بسبب نقص الأدلة على تناول الفطر السام عند دخولهم المستشفى. يُعتقد أن 30 جرامًا فقط (نصف قبعة) كافية لقتل الإنسان، ولا تقلل طرق الطهي أو التجفيف من سميته.

الأدلة المتعلقة بطبق بيف ويلينغتون
كان طبق بيف ويلينغتون محور تحقيقات مكثفة. تم العثور على حمض نووي لفطر الزر الأبيض في بقايا الطبق، لكن لم يُكتشف أي أثر لفطر القبعة المميتة فيه. وأكدت عالمة الفطريات الدكتورة كامي Truong أنه من “المستحيل تقريبًا” أن يكون الفطر السام قد تم شراؤه من المتاجر، حيث ينمو فقط في البرية ولا يُزرع تجاريًا. هذا يتناقض مع تصريحات باترسون الأولية التي قالت إنها استخدمت فطرًا من سوبرماركت ومتجر آسيوي.

أقرت باترسون في شهادتها بأن فطر القبعة المميتة كان موجودًا في الوجبة، رغم إنكارها السابق. وادعت أنها أضافت فطرًا مجففًا من مخزنه دون أن تدرك خطورته. وأشار الادعاء إلى أن باترسون، التي كانت على دراية بجمع الفطر البري، لم تخبر الطاقم الطبي عن احتمال التسمم بالفطر رغم دخول الضحايا المستشفى بأعراض متوافقة مع التسمم بالأماتوكسيينات.

التخلص من جهاز التجفيف الخاص بباترسون
شكل جهاز تجفيف الطعام الذي اعترفت باترسون بالتخلص منه بعد علمها بتسمم الضحايا دليلاً رئيسيًا. أقرّت بأنها اشترت الجهاز في ٢٠٢٠ ورمته في مركز نفايات محلي بعد يوم من الغداء المميت، ووصفت ذلك بأنه رد فعل “غبي وعفوي” بدافع الخوف من الاتهام وفقدان أطفالها. تم استرداد الجهاز من مكب النفايات، وأكد تحليل البصمات أنه ملك لها.

كشف كبير علماء السموم في فيكتوريا أن سموم فطر القبعة المميتة وُجدت في بقايا الطعام وجهاز التجفيف المهمل. وعندما عُرضت عليها صور لأجزاء من الفطر على صينية التجفيف من صورها على جوجل، قالت إنها ربما التقطت الصور لكنها أنكرت أن تكون لفطر القبعة المميتة، رغم شهادة خبير الفطريات الدكتور توم ماي بأن الصور “تتطابق مع فطر Amanita Phalloides“. كما أظهرت بيانات موقع هاتفها وجودها في مناطق قريبة من لوخ حيث تم توثيق نمو الفطر السام قبل أشهر من الغداء، مما يناقض إنكارها السابق لجمع الفطر البري.

اهتمام أستراليا الواسع بالمحاكمة
أثارت المحاكمة اهتمامًا غير مسبوق في أستراليا، وأصبحت من أكثر القضايا القانونية متابعة في السنوات الأخيرة. قررت المحكمة عزل هيئة المحلفين المكونة من 15 شخصًا خلال المداولات “لحمايتهم من أي تدخل أو ضغط خارجي”، حسبما قال القاضي كريستوفر بيل، الذي حذر المحلفين من شدة التغطية الإعلامية ودعاهم إلى التركيز فقط على الأدلة المقدمة في المحكمة. تعكس هذه الخطوة الاستثنائية أهمية القضية على المستوى الوطني.

شهدت وسائل الإعلام تغطية مكثفة، مع وجود بودكاستات مخصصة مثل “Mushroom Case Daily” تقدم ملخصات يومية وتحليلات خلف الكواليس، في حين تقدم الصحف الكبرى تحديثات منتظمة حول مجريات الشهادات. شهد الأسبوع السادس من المحاكمة لحظات درامية خاصة مع استجواب باترسون على المنصة، مما جذب اهتمام المشاهدين في جميع أنحاء البلاد. ينبع الاهتمام الشعبي من طريقة القتل غير المألوفة باستخدام فطر سام، بالإضافة إلى الأجواء العائلية والضاحية التي وقعت فيها الجريمة، مما خلق ما وصفه أحد المعلقين بـ “العاصفة المثالية” التي حوّلت مأساة عائلية إلى محاكمة العام في أستراليا.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: حقوق النشر محفوظة